الخليج في لندن

خارج فندق الدورشيستر ذي النجوم الخمس تتربع سيارة «بوغاتي فيرون». وهذه السيارة، التي تفوق سرعتها القصوى 400 كيلومتر في الساعة، لا تقدر على اقتنائها – كما خرجت من مصنعها – إلا القلة من الأثرياء.

فما بالك إذن بأن السيارة المعنية هنا – المسماة L’Or Blanc (الذهب الأبيض) – هي الوحيدة من نوعها في العالم، لأن جسمها مصنوع من الخزف الصيني. ولهذا يمكن أن يقال إن صاحبها دفع 1.6 مليون جنيه لاقتناء شيء لا يقلّ هشاشة عن طقم فاخر من آنية الشاي.

لكن بالنسبة إلى مالكها السعودي، الذي أحضرت له سيارته هذه بالطائرة لتلازمه خلال عطلته اللندنية، فإن الإناء الصيني الذي يجري على أربع عجلات هذا هو بيت القصيد بالضبط… ربما على سبيل وجوب إظهار النعمة.

موسم التبضّع
الواقع أن سيارة البوغاتي الفريدة هذه هي واحدة – وإن كان الأبرز – من مظاهر تهافت أثرياء العرب لقضاء شهر رمضان، الذي يبدأ خلال أقل من ثلاثة أسابيع، على العاصمة البريطانية بدلاً من بلادهم الساخنة التي تشهد أيضًا إغلاق المطاعم والمقاهي خلال شهر الصوم، كما ورد في تقرير مطوّل أجرته صحيفة «ديلي ميل».

لذا يتقاطر هؤلاء إلى لندن من أجل متاجرها الفاخرة التي لا تقدر عليها العامة، لأنها لا تعرف التخفيضات الصيفية، وفنادقها الغالية التي تسطع بأنجمها، ومنتدياتها الليلية التي لا تنام، وهكذا دواليك… تفاخرًا بالمال. ولهذا أيضًا أضافت بريطانيا إلى مواسمها العديدة موسما آخر صار يعرف باسم «موسم الهجرة الرمضانية إلى لندن».

بلغ الأمر أن متاجر المجوهرات في نيو بوند ستريت، والموضة في أوكسفورد ستريت، والكازينوهات على غرار «ليز امباساديرز»، والمطاعم الفاخرة أمثال «لو كابريس»، وفنادق الصفوة مثل «شيراتون بارك تاور»، تخصص أطقمًا من العاملين الماهرين في أمرين هما ما يسمى «معاملة البساط الأحمر» والتحدث بالعربية.

أرقام
الأرقام تتحدث بنفسها: فمعظم الفنادق ذات النجوم الخمس تقول إن 80 في المائة من نزلائها زائرون من الشرق الأوسط. وبالنسبة إلى متاجر الويست إند،

«بوغاتي فيرون» (اليسرى) بجانب «كونيغزيغ أجيرا»

منتجات «لوي فيتون» بين لوازم العرب

عربيتان أمام «هارودز»

الثري يبحث ايضا عن الإصدارات المحدودة من عطر الرويال عود
فإن متوسط الإنفاق لدى البريطاني يبلغ 120 جنيهًا، ولدى الأميركي 500 جنيه. وقورن هذا بمتوسط إنفاق السعودي والإماراتي وهو 1900 جنيه. والأكثر من هذا هو أن حجم الإنفاق لدى الزائر من هذه المنطقة في فترة الأسابيع الأربعة السابقة لرمضان يبلغ ضعف إنفاقه في أي شهر آخر.

بالطبع فليست هذه المرة الأولى التي يهجر فيها العرب حرّ بلادهم لقضاء الصيف في لندن. لكن الإحصاءات تظهر أن هذا العام شهد زيادة بنسبة 22 في المائة في عدد السعوديين الزائرين، و10 في المائة في عدد مواطني دولة الإمارات.

برقع واستثمار
لأن فرنسا تحظر النقاب بقوة القانون، فقد وجد أولئك العرب، الذين يقضون الصيف في باريس عادة، البديل في العاصمة البريطانية، التي لم تصل إلى هذه المرحلة بعد. أضف إلى هذا أن رياح «الربيع العربي» دفعت بالعديد من أبناء الطبقات الحاكمة إلى التفكير في نقل أموالهم واستثماراتهم إلى خارج بلدانهم قبل فوات الأوان.

نتيجة لهذا الأمر تحديدًا، شهدت سوق العقار في لندن – بفضل هذه الأموال المهاجرة – ارتفاعًا في الأسعار صار نشازًا بالمقارنة مع السوق العقارية الراكدة في بقية أنحاء بريطانيا. والحديث هنا لا يتعلق بشكل رئيس بالمنازل «الجميلة» في أحياء الضواحي، وإنما الفاخرة التي تبدأ أسعارها عند عتبة 5 ملايين جنيه، لأن جزءًا كبيرًا من قيمتها العالية يتأتى من كونها تقع في قلب لندن.

هلا بالضيوف!
«صار رمضان أشبه بظاهرة تجارية بالنسبة إلينا». هكذا تقول جيس تايريل، من «نيو ويست إند كومباني» التي تعنى بشؤون أصحاب المتاجر في اكسفورد ستريت وبوند ستريت وريجنت ستريت.

تقول هذه الخبيرة المالية: «في فترة الأسابيع الثلاثة السابقة لرمضان العام الماضي درّت جيوب السياح العرب على المتاجر في هذه الشوارع الثلاثة وحدها 120 مليون جنيه. والعلامات الآن تشير إلى أن هذا الرقم سيرتفع بمعدل 10 في المائة على أقل تقدير».

لا تخفيضات رجاءً
تشير تايريل إلى أن «قطاع سياح العرب الذي تتحدث عنه لا يشمل «السائح العربي العادي»، وإنما يتألف بشكل رئيس من أهل الصفوة ذوي الأموال الوفيرة إلى حد أنهم ينفرون من أي متجر يخفّض أسعار بضائعه في أية مناسبة كانت. نحن نتحدث عن الرجل الذي ينفق 600 جنيه فما فوق خلال فترة وجيزة – قل 15 أو 20 دقيقة، يمضيها في متجر يقصده بالاسم».

هذا هو السبب الذي حدا بالعديد من متاجر نيو بوند ستريت وريجنت ستريت وأكسفورد ستريت الراقية إلى تقديم موعد موسم التخفيضات الصيفية المعتادة، بحيث بلغ نهايته في نهاية مايو/ايار. هذا لعلمها أن موسم الهجرة الرمضانية هذا العام (بدأ) في الأسبوع الأخير من يونيو / حزيران.

ومصداقًا لكل هذا يقول ناطق باسم مجموعة «سيلفريدجيز»: «السائح العربي القادر لا يريد «الفضلات»، ولا يقنع بغير الجديد الفريد، سواء في المجوهرات أو الأحذية أو الملبوسات أو العطور. وفي ما يتعلق بهذه الأخيرة، فهو يبحث عن الإصدارات المحدودة، مثل عطر العود من «شانيل» أو «جو مالون» أو «توم فورد».

… وهارودز طبعاً
ليس من قبيل المفاجأة أن يكون «هارودز» (نايتسبريدج) في طليعة المتاجر التي تجتذب أثرياء العرب. وبلغ من شعبية هذا المتجر في موسم الصيام أن البريطانيين العارفين بعادات التسوق الشرق أوسطية صاروا يطلقون على هذه الفترة The Harrods Hajj «حج هارودز».

مجددًا فإن أولئك الشارين يبحثون في هذا المتجر عن الإصدارات المحدودة من حقائب اليد «لوي فيتون» وساعات «كارتيير» ووشاحات الحرير والمصنوعات الجلدية من «إيرميس». وعلى غير العادة، فإن الدفع يكون نقدًا بأوراق البنكنوت. ويقول عاطف نواز، الذي يدير كشكًا للصرافة قرب هارودز: «أعرف شخصيًا عائلات تحوّل ما يعادل 3 آلاف جنيه كل يوم طوال فترة العطلة».

مال ومنفعة
كل هذا بالطبع عدا «المشتريات المرتجلة»… مثل الرجل الذي اصطحب ابنه الصغير إلى غاليري ألتيت، واشترى له منه غيتارًا ممهورًا بتوقيع التشكيلي داميان هيرست مقابل 10 آلاف جنيه… والسائح الذي اشترى كاميرا لتصوير أعماق البحار فقط لأنها الأغلى على الإطلاق في المتجر الذي زاره.

ختامًا فإن موسم رمضان اللندني لا يصبّ جنيهات في خزائن المتاجر الراقية وحسب، وإنما يعود أيضًا بالرزق الوفير على جيش مؤلف من السائقين والطباخين والخدم والحرس الشخصيين والبستانيين والمترجمين… إلى آخره من مستلزمات الثري في لندن، عاصمة الصيام الجديدة.

خاصية التعليقات غير متاحة في هذه الصفحة